مشكلة التمرّد لدى المراهق


 
 

هو وجود حالة السباحة ضد تيار الأهل بين المراهق وأسرته، وشعور الأهل والمراهق بأنَّ كل واحد منهما لا يفهم الآخر.
إنَّ السبب في حدوث هذه المشكلة يكمن في اختلاف مفاهيم الآباء عن مفاهيم الأبناء، واختلاف البيئة التي نشأ فيها الأهل وتكونت شخصيتهم خلالها وبيئة الأبناء، وهذا طبيعي لاختلاف الأجيال والأزمان، فالوالدان يحاولان تسيير أبنائهم بموجب آرائهم وعاداتهم وتقاليد مجتمعاتهم، وبالتالي يحجم الأبناء عن الحوار مع أهلهم؛ لأنَّهم يعتقدون أنَّ الآباء أما إنَّهم لا يهمهم أن يعرفوا مشكلاتهم، أو أنَّهم لا يستطيعون فهمها، أو أنَّهم حتى إن فهموها ليسوا على استعداد لتعديل مواقفهم، ومعالجة هذه المشكلة لا تتم إلا بإحلال الحوار الحقيقي بدل التنافر والصراع والاغتراب المتبادل، ولا بدَّ من فهم وجهة نظر الأبناء فعلاً لا شكلاً، بحيث يشعر المراهق أنَّه مأخوذ على محمل الجد ومعترف به وبتفرده حتى لو لم يكن الأهل موافقين على كل آرائه ومواقفه، وأنَّ له حقاً مشروعاً في أن يصرح بهذه الآراء.
والأهم من ذلك أن يجد المراهق لدى الأهل آذاناً صاغية، وقلوباً متفتحة من الأعماق وليس مجرد مجاملة، كما ينبغي أن نفسح له المجال ليشق طريقه بنفسه حتى لو أخطأ، فالأخطاء طريق التعلم، ومما يساعد كثيراً على حل هذه المشكلة تقوية الوازع الديني من خلال أداء الفرائض الدينية، والتزام الصحبة الصالحة، ومد جسور التواصل والتعاون مع أهل الخبرة والصلاح في المحيط الأسري وخارجه، ولا بدَّ من تكثيف جرعات الثقافة الإسلامية، حيث إنَّ الشريعة الإسلامية تنظم حياة المراهق، لا كما يزعم أعداء الإسلام بأنَّه يكبت الرغبات ويحرم الشهوات، وعلى الوالدين أيضاً الاشتراك مع المراهق في عمل الأنشطة التي يفضلها، وذلك لتقليص مساحات الاختلاف، وأيضاً توسيع حقول التوافق، وبناء جسور التفاهم، وتشجيع وضع أهداف عائلية مشتركة، واتخاذ القرارات بصورة جماعية مقنعة، والسماح للمراهق باستضافة أصدقائه في البيت مع الحرص على التعرف إليهم والجلوس معهم لبعض الوقت، والحذر من البرمجة السلبية، وتجنب عبارات: «أنت فاشل، عنيد، متمرد، اسكت يا سليط اللسان، أنت دائماً تجادل وتنتقد، أنت لا تفهم أبداً»؛ لأنَّ هذه الكلمات والعبارات تستفز المراهق، وتجلب المزيد من المشاكل والمتاعب، ولا تحقق المراد من العلاج، وليختر الأهل الوقت المناسب لبدء الحوار مع المراهق بحيث يكونا غير مشغولين، وأن يتحدثا جالسين جلسة صديقين متآلفين بعيدين عن التكلف والتجمل، وليحذرا نبرة التوبيخ والنهر والتسفيه.
إنَّ المراهق أيتها المربية الفاضلة يحتاج إلى من يتفهم حالته النفسية ويراعي احتياجاته الجسدية، ولذا فهو بحاجة إلى صديق ناضج يجيب عن تساؤلاته بتفهم وعطف وصراحة، صديق يستمع إليه حتى النهاية دون مقاطعة أو سخرية أو شك، كما يحتاج إلى الأم الصديقة والأب المتفهم، وهذه دعوة لأولياء الأمور إلى التوقف الفوري عن محاولات برمجة حياة المراهق، والتحلي بالصبر، واحترام استقلاليته وتفكيره، والتعامل معه كشخص كبير، وغمره بالحنان وشمله بمزيد من الاهتمام، لذا نقول للأم: «شجعي ابنك وبثي التفاؤل في نفسه، وجملي أسلوبك معه، واحرصي على انتقاء الكلمات كما تنتقي أطايب الثمر».
وللوالدين نقول: «حاولا الابتعاد عن الأسئلة التي تكون إجاباتها بـ «نعم» أو «لا»، أو الأسئلة غير الواضحة وغير المباشرة، وافسحا له المجال للتعبير عن نفسه، ولا تستخدما ألفاظاً قد تكون جارحة دون قصد مثل: «كان هذا خطأ» أو «ألم أنبهك لهذا الأمر من قبل؟».
إنَّ أهم أسباب الفشل في الحوار أسلوبان خاطئان هما:-
- الأسلوب الأول: «لا أريد أن أسمع شيئاً».
- الأسلوب الثاني: أسلوب المحقق أو ضابط الشرطة.
فالخطأ الأول هو أنَّنا نرسل عبارات الإسكات، وكذلك إشارات معناها في النهاية: «أنا لا أريد أن أسمع شيئاً منك يا ولدي»، بالإضافة إلى الحركات التي تحمل نفس المضمون مثل التشاغل بأي شيء آخر عن الابن أو عدم النظر إليه، وتلاحظ أنَّ الولد يمد يده حتى يدير وجه أمه إلى جهته كأنَّه يقول: «أمي اسمعيني أرجوك»، أو يقوم بنفسه ويجيء مقابل وجه أمه حتى تسمع منه، فهو يذكرنا بحقه علينا، لكنه مستقبلاً لن يفعل، وسيفهم أنَّ أمه ممكن أن تستمع بكل اهتمام لأي صديقة في الهاتف أو زائرة مهما كانت غريبة، بل حتى تستمع للجماد «التلفاز»، ولكنها لا تستمع إليه كأنَّ كل شيء مهم إلا هو!.
لذلك عندما تنتهين ويأتيك ولدك يعبر عن نفسه ومشاعره وأفكاره، اهتمي كل الاهتمام بالذي يقوله، هذا الاستماع والاهتمام فيه سيشعره بتفهمك له، واحترامه وقبوله وهي من احتياجاته الأساسية التي تتمثل بالتفهم والاحترام والقبول بالنسبة له، وأنَّ حديثه في تلك اللحظة أهم من كل ما يشغل بالك أياً كان.
وإذا كنت مشغولاً أيها الأب أو أيتها الأم... اعط ابنك أو ابنتك موعداً صادقاً ومحدداً، مثلاً تقول: «أنا الآن مشغول، بعد ربع ساعة أستطيع أن أستمع لك جيداً»، واهتم فعلاً بموعدك معه، ولنستبدل كلماتنا وإشاراتنا التي معناها: «أنا لا أريد أن أسمع منك شيئاً» بكلمات وإشارات معناها: «أنا أحبك وأحب أن أسمع لك وأحس بمشاعرك»، وبالأخص إذا كان منزعجاً أو محبطاً ونفسيته متأثرة من خلال مجموعة من الحركات كالاحتضان الجانبي له، وغيرها من الأحاسيس الأبوية الحنونة التي تعيد الثقة والاطمئنان إليه.
 

 المصدر: الامل الزاهر- الحلقة الأولى- الدورة البرامجية 34

 


آخر تعديل: الجمعـة, 12 أيار 2017, 7:51