الصحة والصلاة

 

 


ورد في الأخبار أنَّ الصلاة مصححة للأبدان، بالإضافة لما تحتويه من المصالح الدنيوية والأخروية التي لا تحصى، فإنَّها أيضاً تحتوي على طاقات كبيرة من الفوائد الرياضية.
ففي أثناء الصلاة بكل حركاتها وسكناتها يستقر كل عضو في موضعه، كما أنَّ أفعالها لا تترك مفصلاً من مفاصل الجسم أو عضواً من الأعضاء إلا وأعطته حركة نافعة من قيام وقعود وانحناء وسجود وبهيئات متنوعة من رفع اليدين وضم الجناحين، ولكل واحدة من تلك الحركات منافع جسيمة، فالركوع مثلاً بتقليصه عضلات البطن يقوّي هذا الجدار ويمنعه من الاسترخاء، وينبه الأحشاء والأمعاء للنبضات المستقيمة، فيخلص الجسم من ربقة القبض الشديدة، ومثله السجود يقلِّص عضلات وعظام الصدر تقليصاً أعمّ وأشدّ ويحرِّك الحجاب الحاجز وينبِّه المعدة، فيدفع ما بها ويخلّصها من الوقوع في أعراض التمدّد المزعج، وكل تلك الأعمال والأفعال المنسقة المرتبة بذلك الترتيب الخاص، والأوضاع المعينة ما هي إلا حركات رياضية لها أعظم الأثر في نشاط الجسم، وتحريك الدورة الدموية، فأفعال الصلاة ما هي إلا أفعال منظمة بأروع تنظيم، وكأنَّها وصفة طبية من طراز بديع في تحصيل المناعة للمفاصل والعظام والأعصاب والقلب والرئة والمعدة بل وحتى لها أعظم التأثير على الرئيس الأعلى وهو الدماغ.
وعلى ذلك فالصلاة هي رياضة روحية وبدنية معتدلة وهادئة يمارسها الإنسان في أوقاتها الخاصة، فالبحوث الطبية والعلمية الحديثة قد أثبتت أنَّ مواقيت صلاة المسلمين تتوافق تماماً مع أوقات النشاط الفسيولوجي للجسم، مما يجعلها وكأنَّها هي القائد الذي يضبط إيقاع عمل الجسم كله، وقد جاء في أحد الكتب الطبية: « أنَّ الكورتيزون الذي هو هرمون النشاط في جسم الإنسان يبدأ في الازدياد وبحدة مع دخول وقت صلاة الفجر، ويتلازم معه ارتفاع منسوب ضغط الدم ولهذا يشعر الإنسان بنشاط كبير بعد صلاة الفجر بين السادسة والتاسعة صباحاً، لذا نجد أنَّ هذا الوقت بعد صلاة الفجر هو وقت الجِّد والتشمير للعمل وكسب الرزق، وأيضاً في هذا الوقت تكون أعلى نسبة لغاز الأوزون موجودة في الجو، ولهذا الغاز تأثير منشط للجهاز العصبي وللأعمال الذهنية والعضلية، ونجد العكس من ذلك عند وقت الضحى، فيقل إفراز الكورتيزون ويصل لحدِّه الأدنى، فيشعر الإنسان بالإرهاق مع ضغط العمل ويكون بحاجة إلى راحة ويكون هذا بالتقريب بعد سبع ساعات من الاستيقاظ المبكر، وهنا يدخل وقت صلاة الظهر فتؤدي دورها كأحسن ما يكون من بث الهدوء والسكينة في القلب والجسد المتعبين، وبعد صلاة الظهرين يسعى الفرد إلى طلب ساعة من النوم تريحه وتجدِّد نشاطه، وهو ما نسميه بـ «القيلولة»، وقد قال عنها رسول الله(ص): «استعينوا بطعام السحر على صيام النهار، وبالقيلولة على قيام الليل».
وقد ثبت علمياً أنَّ جسم الإنسان يمر بشكل عام في هذه الفترة بصعوبة بالغة، حيث يرتفع معدل مادة كيميائية مخدرة يفرزها الجسم فتحرضه على النوم ويكون هذا تقريباً بعد سبع ساعات من الاستيقاظ المبكر، فيكون الجسم في أقل حالات تركيزه ونشاطه، وإذا ما استغنى الإنسان عن نوم هذه الفترات فإنَّ التوافق العضلي العصبي يتناقص كثيراً طوال هذا اليوم، ثم بعد القيلولة يعاود الجسم نشاطه مرة أخرى ويرتفع معدل «الأدرينالين» في الدم، فيحدث نشاطاً ملموساً في وظائف الجسم خاصة النشاط القلبي، وهنا يتجلى لنا السر البديع في توصية مؤكدة في القرآن الكريم بالمحافظة على الصلوات بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
فأداء الصلاة مع ما يؤدى معها من سنن ينشط القلب تدريجياً، ويجعله يعمل بكفاءة أعلى بعد حالة من الخمول الشديد ودون مستوى الإرهاق، فتنصرف باقي أجهزة الجسم وحواسّه إلى الاستغراق في الصلاة، فيسهل على القلب مع الهرمون تأمين إيقاعهما الطبيعي الذي يصل إلى أعلاه مع مرور الوقت، هذا في النهار وأما عند صلاة المغرب فيقل إفراز «الكورتيزون» ويبدأ نشاط الجسم في التناقص وذلك مع التحوّل من الضوء إلى الظلام، وهو عكس ما يحدث في صلاة الصبح تماماً، فيزداد إفراز مادة «الميلاتونين» المشجعة على الاسترخاء والنوم، فيحدث تكاسل للجسم وتكون الصلاة بمثابة محطة انتقالية.
وتأتي صلاة العشاء لتكون هي المحطة الأخيرة في مسار اليوم، والتي ينتقل فيها الجسم من حالة النشاط والحركة إلى حالة الرغبة التامة في النوم مع شيوع الظلام وزيادة إفراز «الميلاتونين»، وجدير بالذكر أنَّ لإفراز الميلاتونين بانتظام صلة وثيقة بالنضوج العقلي للإنسان، ويكون هذا الانتظام باتباع الجسم لبرنامج ونظام حياة ثابت، ولذا نجد أنَّ الالتزام بأداء الصلوات في أوقاتها هو أدق أسلوب يضمن للإنسان توافقاً كاملاً مع أنشطته اليومية، مما يؤدي إلى زيادة الكفاءة لوظائف أجهزة الجسم البشري لترسخ كملكة وفاء العهد وصدق الوعد فهي بحقّ ناهية عن الفحشاء والمنكر.
ومن فوائد الصلاة أنَّها تقوي عضلات البطن؛ لأنَّها تمنع تراكم الدهون التي تؤدي إلى البدانة والترهل، فتمنع تشوهات الجسم وتزيد من رشاقته، والصلاة بحركاتها المتعددة تزيد من حركة الأمعاء فتقلل من حالات الإمساك وتقي منه، وتقوي كذلك من إفراز المرارة في وضع الركوع والسجود وما يحدث فيه من ضغط على أطراف أصابع القدمين مما يؤدي إلى تقليل الضغط على الدماغ، وهذا الأثر يكون كأثر تدليك أصابع الأقدام تماماً، مما يُشعِر بالاسترخاء والهدوء، كما أنَّ السجود الطويل يؤدي إلى عودة ضغط الدم إلى معدلاته الطبيعية في الجسم كله، وأيضاً يعمل على تدفق الدم إلى كل أجهزة الجسم.
فلتكن الصلاة صديقتنا المحببة، ورفيقتنا الدائمة التي نتخلص معها من كل ضيق ومعاناة، فبها هدانا الله جل وعلا للإسلام وبها أكرمنا.








 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر:  ينبوع العافية - الحلقة السادسة - الدورة البرامجية 24.

Last modified: Saturday, 20 July 2019, 12:35 PM