العامل النفسي وأثره على تربية الإنسان


 
 

إنَّ النصوص والأحاديث الشريفة توضّح لنا أنَّ الأئمة كانوا على علم تام بأنَّ للعامل النفسي أثراً ودوراً كبيراً في تهذيب النفس، والحفاظ على صحتها، إذ كانوا يذكرون لأتباعهم أنَّ الخوف والقلق والحسد والهم لها دخل في جميع الاضطرابات الداخلية التي يعانيها الإنسان، وأيضاً لها دخل فيما يعتري الإنسان من آلام روحية تؤدي إلى انحراف الصحة، ومن جملة تلك الأحاديث ما ورد عن أمير المؤمنين(ع): «الهم يذيب الجسد»، وأيضاً قال(ع): « الهمُّ نصف الهرم».


إنَّ الهم يولد العقد والآلام والاضطرابات، بل يورث سائر الأمراض الروحية، والتي بدورها تترك آثاراً سيئة على الجسد فضلاً عن تأثيرها على الفكر، لذا لا بد لمن يشخِّص في نفسه مثل هذه الأمراض أن يبحث عن علاجها والذي لا يتيسر بالأساليب الطبية، ولا يتم عن طريق الأدوية والعقاقير، فمثلاً المصاب بالحقد والحسد أو الذي يشكو من القلق أو الذي يئن من الهم والغم لا يمكن إنقاذه إلا باقتلاع جذور المرض، وجذور مثل هذه الأمراض لا تقتلع إلا إذا طهر القلب من الأفكار التي تنغص حياته، وأيضاً لا تعالج إلا إذا تناسى الإنسان الخواطر الحزينة التي جابهته في حياته، وإلى جانب تناسيه عليه أن يتحلّى بالفضائل والسجايا الحميدة التي تسهم في إنقاذه من الدمار والهلاك، فالفضائل والسجايا تكون بمثابة قوة علاجية جبّارة قادرة على القضاء على الأمراض النفسية، فقوة الإيمان قادرة على تهدئة القلق، وبعث الطمأنينة في القلب، وقتل الهم والغم، وطرد الحسد والبغضاء، وهذه القوة تأثيرها أعظم من تأثير الطب.


إنَّ علماء النفس وعلماء الطب المعاصرين قالوا بأنَّ كل العقد النفسية والاضطرابات والتشاؤم والقلق والخوف والغضب وعدم الراحة تستند إلى النفس المستسلمة التي لا تملك إرادة وإيماناً، وبعد تقريرهم لأسباب الأمراض النفسية وما يترتَّب على تلك الأمراض من المشاكل والمآسي الكثيرة، حاولوا وضع مناهج وقواعد لتخليص الإنسان من أيِّ مشاكل نفسية تعتريه، وببحوثهم وتقريراتهم لم يخرجوا عمّا وضعه المنهج الإسلامي منذ قرون حيث جعلوا العلاج يستند على قوتين هما: قوة العلم وقوة الإيمان، وبعبارة أدق إنَّ أهل البيت(ع) كانوا يفيدون من التربية الإيمانية لمكافحة القلق والخوف والاضطرابات أي يستندون إلى القوة الإيمانية لبعث الطمأنينة في القلوب المريضة.


فلا ريب في أنَّ الإيمان يؤثر على صفاء النفس، ويبعث الطمأنينة في القلب، بطريقة أعظم وأقوى من تأثير العلم وقوته، ففي الظروف الحرجة التي يصل فيها القلق إلى القمة، وتهب الأعاصير في نفس الفرد، ويعجز الطب عن تهدئة ذلك نجد الإيمان المرتكز في نفس المؤمن بقوته الجبارة، يهدِّء الأوضاع ويبعث الاستقرار في النفس الإنسانية وهذه سمة فريدة من الفرائد التي امتاز بها الإسلام من حيث التربية الإيمانية في علاج الأمراض النفسية، والاضطرابات الباطنية التي تأتي جراءها، وبذلك تتبين عظمة التعاليم الإسلامية، وتدخلها في الحفاظ على صحة الإنسان الجسدية منها والنفسية، ولو أخذنا مثلاً التشاؤم وهو مرض نفسي يؤثر على صحة الإنسان وسعادته، وهو يتأتى من أثر التربية والمحيط الأُسري الذي يعيش فيه الإنسان والتشاؤم بمفهومه البسيط مجرّد أوهام يبيِّنها الإنسان، فمثلاً هناك إنسان يتشاءم من يوم معين، وهناك إنسان يتشاءم من عدد معين، وهناك من يتشاءم من نعيق الغراب، أو من صوت البوم، ومثل هؤلاء الأفراد الذين يعتقدون بالتشاؤم يضطربون كثيراً عندما يمرون أو عندما يلاقون ما يتشاءمون منه، وقد يولِّد ذلك التشاؤم الألم والاستياء الشديدين في نفس هؤلاء الأفراد إلى درجة أنَّهم لا يستطيعون القيام بنشاط ما في ذلك اليوم، وبصراحة إنَّ التشاؤم ناتج عن جهل الإنسان، وقلة إيمانه، وهذا ثبت أيضاً عند علماء النفس إذ بيَّنوا أنَّ التشاؤم وليد جهل الإنسان، وهو ليس خطراً حقيقياً يخاف منه، كما أنَّه ليس آفة واقعية، بل هو مجرد وهم، وحقيقته أنَّه مرض نفسي قد يسبب مشاكل لصاحبه، سيما إذا كان ذلك الشخص ضعيف الإرادة والإيمان، وقد عدَّ أهل البيت(ع) أنَّ التشاؤم ليس حقيقة، ولكن إذا اعتقد به الشخص واهتمَّ به فإنَّه يصاب بالقلق والاضطراب والخوف بسبب معتقده بما تشاءم منه.


ومن البديهي أنَّ القلق والاضطراب عبارة عن أمراض نفسية قد تجرّ الفرد إلى أمراض ومشاكل كثيرة، وفي مجال عدم وجود أثر يترتب على التشاؤم قول الامام أمير المؤمنين(ع): «الطِّيَرَةُ لَيسَت بِحَقٍّ»، وعلى هذا فإنَّ سلوك بعض الأفراد، وفساد أخلاقهم هو السبب في ظهور بعض العوارض والأمراض في حين أنَّ الجهال ينسبونها إلى التطير والتشاؤم.


إنَّ الإسلام دين عظيم بنى عقيدته على أساس العقل السليم، والمنطق القويم في دراسة الأمور والبعد عن التردد الذي هو أول درجات الفشل، وقبل ذلك لا بد من تفويض الأمر لله رب العالمين، فالمسلم العاقل هو من يأخذ بأسباب الأمور، ثم يترك نتائجها إلى الله تعالى الذي له الأمر من قبل ومن بعد، ومن هنا فقد ربى الإسلام أتباعه على التفاؤل والأمل والابتعاد عن التطيّر والتشاؤم، ولقد ذم القرآن الكريم هؤلاء المتطيرين بدعاوي الأنبياء فقال سبحانه: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ* قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾.


ومن يتتبّع سيرة الرسول(ص) يرى أنَّه كان يبثّ في نفوس صحابته(رض) روح التفاؤل والجد حتى في أحرج الظروف وأشدّها وأقساها، وكان(ص) يريد من ذلك أن يبعد من نفوس أصحابه، بل عن نفوس المسلمين جميعاً روح التشاؤم والاستسلام والخنوع، واستبدال تلك الروح بروح التفاؤل والوثوق بالله تعالى، ولقد سلك الإسلام كل سبيل في غرس هذه الروح في المجتمع المسلم فأمرنا(ص) بأن نلقى إخواننا بوجه طلق حتى نشيع في المجتمع روح التفاؤل والأمل، وعلينا أن نعلم بأنَّ التفاؤل والتشاؤم ينبعان من داخل النفس، فصاحب النفس الصحيحة ينظر إلى الحياة بمنظار مستقيم جلي، فلا يرى فيها إلا كل جميل باعث على الأمل، وأما صاحب النفس السقيمة، فإنَّه ينظر إلى الحياة بمنظار أسود كئيب، فلا يرى منها إلا كل شيء باعث على القنوط، والتشاؤم واليأس، أعاذنا الله وإياكِ من ذلك ورزقنا نفوساً مطمئنة به ومتوكلة عليه.










ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:  برنامج ينبوع العافية -الحلقة الثانية عشرة -الدورة البرامجية 24

Last modified: Tuesday, 15 January 2019, 9:35 AM