التلاحم الأسري وأهميته في بناء المجتمع




إنَّ الأسرة إحدى العوامل الأساس في بناء الكيان التربوي وإيجاد عملية التطبيع الاجتماعي، وفي الأسرة أيضاً يتم تشكيل شخصية الطفل واكتسابه العادات التي تبقى ملازمة له طوال حياته، فهي البذرة الأولى في تكوين نمو الفرد وبناء شخصيته، فإنَّ الطفل في أغلب أحواله مقلِّد لأبويه في عاداتهم وسلوكهم، فهي أوضح مقصداً وأقل تنظيماً وأكثر إحكاماً من سائر العوامل التربوية.
وإنَّ الأسرة مسؤولة عن نشأة أطفالها نشأة سليمة متسمة بالاتزان والبعد عن الانحراف، وعليها الكثير من الواجبات الملزمة برعايتها ومنها:- 
1- أن تشيع في البيت الاستقرار والود والطمأنينة، وأن تبتعد عن جميع ألوان العنف والكراهية والبغض، فإنَّ أغلب الأطفال المنحرفين الذين تعوَّدوا على الإجرام في كبرهم، كان إجرامهم ناشئاً على الأكثر من عدم الاستقرار العائلي الذي فنيت به الأسرة.
2- أن تشرف الأسرة على تربية أولادها، وقد نصَّ علماء الاجتماع على ضرورة ذلك وأكدوا أنَّ الأسرة مسؤولة عن عمليات التنشئة الاجتماعية التي يتعلم الطفل من خلالها خبرات الثقافة وقواعدها في صورة تؤهله فيما بعد لمزيد من الاكتساب، وتمكنه من المشاركة التفاعلية مع غيره من أعضاء المجتمع.
3- كما أكد علماء التربية على أهمية تعاهد الآباء لأبنائهم للعطف والحنان والحدب عليهم والرأفة بهم حفظاً وصيانة لهم من الكآبة والقلق، وإنَّ أفضل طريقة لحفظ الأبناء هي مصاحبتهم ومراقبتهم، ويرى المربون أنَّ أفضل ميراث يتركه الأب لابنه هو بضع دقائق من وقته كل يوم، ومن وظائف الأسرة المهمة هي:- 
1- أن تنتج الأطفال وتمدَّهم بالبيئة الصالحة لتحقيق حاجاتهم البايولوجية والاجتماعية، فوظيفة الأسرة لا تقتصر على إنتاج الأطفال؛ لإنَّ هذا الاقتصار يمحو الفوارق الطبيعية بين الإنسان والحيوان.
2- أن تعدَّهم للمشاركة في حياة المجتمع، والتعرف على قيمه وعاداته، وأن تمدَّهم بالوسائل التي تهيئ لهم تكوين ذواتهم داخل المجتمع.
3- توفير الاستقرار والحماية والأمن والحنو على الأطفال مدة طفولتهم، فإنَّها أقدر الهيئات في المجتمع على القيام بذلك، ولا تستطيع مؤسسة عامة أن تسد مسد الأسرة في هذه الشؤون.
4- وعلى الأسرة أيضاً أن تقطع جزءاً كبيراً من واجب التربية الخلقية والوجدانية والدينية في جميع مراحل الطفولة.
أما الإسلام فقد أقام نظام الأسرة على أسس سليمة تتفق مع ضرورة الحياة وتتفق مع حاجات الناس، وعدَّ الغريزة العائلية من الغرائز الذاتية التي منحها الله للانسان، حيث قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، فهذه الظاهرة التي فطر الله عليها الإنسان منذ تكوينه من آيات الله ومن نعمه الكبرى على عباده.
والإسلام يسعى إلى جعل الأسرة المسلمة قدوة حسنة طيبة تتوفر بها عناصر القيادة الرشيدة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
وأهم قاعدة من قواعد التربية أن توجد عملياتها التربوية القدوة الحسنة والمثل الأعلى للخير والصلاح، وعلى أيَّة حال، فإنَّ نظام الأسرة الذي سنَّه الإسلام يقوم على أساس من الوعي والعمق لما تسعد به الأسرة، ويؤدي إلى تماسكها وترابطها من الناحية الفسيولوجية والنفسية والاجتماعية بحيث ينعم كل فرد منها ويجد من ظلالها الرأفة والحنان والدِّعة والاستقرار.
ويحرص الإسلام كل الحرص على أن تقوم الرابطة الزوجية -التي هي النواة الأولى للأسرة- على المحبة والتفاهم والانسجام وهو الزواج المثالي، أما إذا منيت الأسرة بعدم الانسجام والاضطراب، فإنَّ أفرادها يصابون بآلام نفسية واضطرابات عصبية.
وإذا ألقينا نظرة على مشكلة الأسرة في العصور الحديثة نجد أنَّها مشكلة خطيرة جداً، فقد فقدت نتيجة التغيرات الاجتماعية كثيراً من وظائفها التي كانت تقوم بها من ذي قبل، فأدى ذلك إلى انفصام عرى الأسرة وانهيار الروابط التي كانت تربطها فيما قبل.
يقول بعض المربين: «إنَّ من مخاطر المجتمع الحديث هو الدور الطبيعي الذي كانت تقوم به الأسرة بتضاءل؛ نتيجة لاستيلاء المؤسسات الأخرى على كثير من مسؤولياتها، وتخشى نتيجة التضاؤل أن تفقد الأُسَر الأثر الفعال الذي هو من أهم قوى الاستقرار في المجتمع.
وفي النهاية قد تراجعت بعض البلدان عن كثير من مقرراتها؛ لأنَّها اصطدمت بالواقع الذي يعيشه الناس في جميع مراحل تأريخهم من أنَّ الأسرة نظام مستقر ثابت لا غنى للبشرية عنه.




المصدر: برنامج المدرسة الأولى- الحلقة الخامسة- الدورة 27.


Last modified: Tuesday, 24 July 2018, 10:03 AM