التقوى أطروحة إسلامية لمشكلات اجتماعية


                              

التقوى أطروحة إسلامية لمشكلات اجتماعية، ولقد ركز الإسلام على عدة مفاهيم ترتقي في اسلوب معالجتها للقضايا العامة بمبادئ وضوابط كأًسس ثابتة بحيث لا يستغنى عنها مهما كانت الضروف كما لا يستعاض بغيرها كيفما تحولت متغيرات الزمان والمكان والإنتماءبل هي من الثوابت التي اريد له ان تكون برنامجا للأنسان يطبقه بقناعة وتفاعل كي ينعم بثمراته ذات النكهة المميزة في مجموع الغذاء الروحي الذي ينبغي للأنسان أن يتمثله جيداً في قلبه وضمن علاقته المنفتحة على الآفاق الإنسانية عامة مهما تعددت الوجوه واختلفت الآراء والنظرات، ذلك لأن الإنسان لو استغرق في رحلة تأمل مع الذات لوجد أن المفاهيم التي عرضها الإسلام كمشروع حضاري للحياة تسعى لتهذيب المخبر والمظهر والقلب والقالب لتأتي النفس آمنة يوم الفزع الأكبروهذه غاية مهمة كان من أجل تحقيقها التاكيد على التوحيد الإلهي كمادة أولى ضمن مواد هذا المشروع ثم التأكيد على التفاعل التام مع طبيعة حالة العبودية وما تفرضه من التزام وانتضام يؤسسان لحركة نحو الواقع بأسلوب يهيئ الفرصة المثلى للعيش الكريم مع الضمانة الأكيدة للسلامة في الحياة الاخرى وهذا الذي اصطلح عليه ب(التقوى).
حيث تدل هذه الكلمة على(دفع الشئ عن شئ بغيره) كما أنها تدل في مستوى واقعاً العبادي على كونها حالة الالتزام الدقيق بالمفردات الشرعية على المستويين العقائدي والفقهي, لئلا يؤشر بأزاء شخصية الفرد كونه قد ترك واجباً أو فعل محرم حتى يتهيأ له وأن يكون قد دفع النار عن نفسه بالانتظام مع الحالة الصحيحة التي يجب أن تسود المجتمع ليجني الثمار من خلال العلاقات الصحيحة بين أفراده بما يمتلكونه من قدرة على التفاعل لتبرز نقاط الالتقاء ولو لم تسقط نقاط الافتراق لأن عملية التفكير المستقل نفرز حالة قد لا تنسجم مع المستويات الاخرى التي تلتقي ضمن بعض المحاور
فالتقوى كما هي عملية التزام قلبي جوانحي معنوي يرتبط بالواقع الإيماني الذي ينفتح من خلاله الإنسان على ربه تعالى ونبيه الاعظم واله المعصومين(صلوات الله عليهم أجمعين).
 يحتاج الفرد لنيل مرتبة التقوى الى عملية انتظام قالبي جواري جسدي ضمن سلك المتدينين الذين ساروا نحو الجنة بطريق عبدوها بترويض نفوسهم قبل رياضة ابدانهم وذلك من خلال اعلان مقاطعتهم قائمة المغريات المحرمة تجنباً للتورط في المزالق والمهالك ليكونوا بذلك قد مثلوا نظريا حيث صمدوا على ذلك ولم يخضعوا للشيطان وتأثره وبذلك يكونوا قد حققوا طموحاتهم كافة لنيل رضا الله سبحانه وتعالى وغير ذلك فأنهم سوف يفوزون بالجزاء الجزيل، وهناك الكثير من الايات القرآنية التي تكشف العمق المعنوي للتقوى منها قوله تعالى[فمن اتقى واصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون].
والتقوى من الأمور التي تهيئ للمؤمنين الانشداد للأجواء الإيمانية فيتقوا ربهم ويحققوا بذلك وصية نبيهم(ص) حيث يخاطب الأمة قبل ما يزيد على أربعة عشر قرنا بقوله(يا أيها الناس والله ما من شئ يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به وما من شئ يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه ألا وأن الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله واحملوا في الطلب ولا يحمل أحدكم استبطاء شئ من الرزق ان يطلبه بغير حِلِه فأنه لا يدرك ماعند الله بطاعته).
سيدتي لقد بين الرسول الاعظم(ص) ان التقوى جهاز المناعة الاجتماعية الذي يتحسس أزاء المؤثرات الخارجية التي تقتحم الجسم الإنساني مهما تعددت اشكاله واختلفت منافذه الفكرية والجسدية، ولذلك فقد حرص الإمام أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب(ع)عندما يعرض أهداف التقوى المرجوّة لتتضح أمام الأبصار وتتعقلها البصائر فتبتغيها كأمنية تسعى لتحقيقها وذلك في قوله(عليه السلام)[أوصيكم عباد الله بتقوى الله فأنها حق الله عليكم والموجبة على الله حقكم وأن استعينوا عليها بالله وتستعينوا بها على الله فأن التقوى في اليوم الحرز والجُنه وفي غد الطريق الى الجَنة مسلكها واضح وسالكها رابح].
سيدتي الفاضلة.. لا نستطيع أن نغفل عن هذه المعادلة التي اتاحها(ع)للناس حيث عادل بين الجُنه والجَنة, فالكلمة الاولى تعني الوقاية والدرع الذي يحتمي به لابسه والكلمة الاخرى تعني الضمانة التي يسعى غالب بني الانسان لتأمينها بشتى الطرق للوصول الى تلك الغاية والأمل وكم أحسن(ع)الاختيار في المفردات لما لها من وقع بلاغي يؤثر حسنا من حيث استعمال التقوى كسلاح واقي ضد الأفكار الفاسدة واستعماله للوصول الى النجاة في رضا الرحمن.
سيدتي أما لو تأملتي الصحيفة السجادية المباركة لعرفتِ ان الإمام علي بي الحسين(ع) وضع خارطة سلوك مباركة من خلال قوله في دعاءه اذا دخل شهر رمضان[اللهم صلِ على محمد واله والهمنا معرفة فضله واجلال حرمته والتحفظ ممام حظرت فيه واعنا على صيامه بكف الجوارح عن معاصيك واستعمالها فيه بما يرضيك حتى لا نصغي  بأسماعنا الى لغو ولا نسرع بأبصارنا الى لهو وحتى لا نبسط ايدينا الى محضور ولا نخطو بأقدامنا الى محجور وحتى لا تعي بطوننا ال ما احللت ولا تنطق السنتنا إلا بما مثلت ولا نتكلف إلا ما يدني من ثوابك ولا نتعاطى إلا الذي يقي من عقابك]
هنا نرى الإمام(ع) وضع قائمة من المتطلبات وفيها بعدان الأول بعد تكاملي يسعى الإنسان من خلاله الى التحلي ببعض الصفات والثاني بعد وقائي يحاول الإنسان من خلاله التخلي عن صفات أخرى، وهذان البعدان يبينان علاقة روحية ترتبط بالواقع النفسي الذي من خلال استقراره ينفتح العبد على أفق العلاقة النقية مع المولى تعالى. من هذا نستوضح أن التقوى تمثل الضمانة الأكيدة وأنها أقوى رابطة وأفضل وسيلة يلتجئ اليها الإنسان لمواصلة حياته العملية المليئة بالمشكلات التي تعيقه عن استمرار مسيرته كما انها احسن واسهل ما يديم العلاقة الروحية ويعمقها فيجب ان نغتنم ما وهبنا الجليل من فرص ذهبية وعلينا الإفادة والإستزادة وان نرجوا من الله أن يجعلنا من(الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).


المصدر: برنامج أنوار التنمية- الحلقة الثامنة - 
الدورة البرامجيةالسابعة والعشرون.


Last modified: Monday, 13 August 2018, 10:45 AM