دور الوالدين في ترسيخ المفاهيم العقائدية للطفل




مستمعتي الكريمة ورد في حديث رسول الله(صلى الله عليه واله وسلم): (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصّرانه أو يمجسّانه) ما يبين أن الفطرة سويّة وأن الوالدين هما من يجعلان هذه الفطرة تستقيم أو تنحرف، 
من هذا الحديث نلمس سهولة غرس العقيدة الصحيحة في البيئة الإسلامية الصحيحة، فمتى كان الوالدان على استقامة، ومن الاستقامة رغبتهما في تنشئة أطفالهما على العقيدة السليمة التي فطرهم الله عليها، سهل ذلك عليهما لأن الأساس متوفر وهو الفطرة السليمة .
أن لغرس أي قيمة في نفوس الأفراد عدة مستويات، أولها: الوعي بهذه القيمة والتعرف عليها، والعقيدة أهم قيمة (وإن كانت قيمة معقدة مؤلفة من قيم كثيرة مرتبطة ببعضها) في حياة المسلم، لذلك لا بد من أن أبدأ بتوعية الطفل بهذه القيمة، أي أن أجعل الطفل يحس ويشعر بوجود الله سبحانه وتعالى، والمنهج الإسلامي يسعى لتوفير الأمن والطمأنينة في نفوس الأطفال ومن ذلك تهيئة نفسية الأطفال وتوعيتها وإعدادهم لما أريد غرسه من سلوك .
فإذا كان التوحيد هو: توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فيمكننا توعية الطفل بذلك بعدة طرق:


1  - تكرار الحديث معه أننا نعبد الله وحده، نصلي لله، نصوم لله، نتصدق لله، نكرم الجار لله، بر الوالدين لله، الله وحده هو الذي نعبده .

2  - الحديث معه عن علم الله الواسع، عن نعمته الكبيرة علينا، عن فضله علينا، ورزقه لنا، وتذكير الطفل بذلك كلما جاءت مناسبة، خاصة إذا كان في موقف سعيد.

3  - توحيد الأسماء والصفات ممكن تبسيطه وعرض ما يمكن الطفل أن يفهم منه كمناقشة بعض أسماء الله وصفاته ببساطة، أي الأسماء والصفات الواضحة التي يمكن أن يفهمها الطفل، كأن نقول إن الله عليم، وهذا يعني أنه يعلم كل شيء (مثلاً: يعلم ما نفعل في كل لحظة، يعلم ما نقول، يعلم ما نفكــــــر به، ....)، وبالتالي فإن كذب الطفل فالله يراه، إن أخذ شيئاً ليس له فالله يراه، إن بر أمه أو ساعدها، إن أعطى فقيراً فالله يراه ويحبه وهكذا. ونتابع مثل ذلك في الأسماء والصفات السهلة مثل: إن الله بصير، إن الله رزاق.

4 - نحببه في الجنة، وحب الله له، وأن لا نذكر النار والعقاب في هذا السن الصغير، حيث أن فيها تخويف من الله تعالى ونحن نريد الأطفال أن يحبوا الله أولاً، وأرى أن نذكر النار أو العقاب بعد سن سبع سنوات، أو حينما نشعر أن الطفل ممكن أن يتقبل ذلك ولا أعتقد أن نخبره بذلك قبل سن(6 - 7) سنوات وهي المرحلة التي يؤدب فيها المربي ابنه أو بنته، وتزداد قدرته على إدراك المعاني المجردة، وتتمايز الانفعالات عنده ففي هذه السن الحب والسعادة والأمن متشابهان وكذلك الخوف والكره والنار.
5  - القدوة الحسنة.
6 - الإجابة على أسئلة الطفل ببساطة بطريقة سهلة يفهمها، ولا نتوقع من الطفل التعقيد في الأسئلة، فهو غالباً ما يتقبل الإجابات البسيطة الصحيحة لقلة خبرته ومستوى نموه العقلي، وهذا ما يخيف الوالدين أحياناً أي تتالي الأسئلة إلى درجة قد يصعب الإجابة عليها وكأن هذا الطفل يعي ما يعون هم، وهذا غير صحيح .
المهم أن نكون قاعدة عريضة من حب الله وحده والارتباط به، فكل ما نفعله نفعله لله، وكل ما يأتينا من خير فهو من الله .
وسوف نشاهد تدريجياً الانتقال إلى المستوى الثاني من تعلم القيمة وهو الاستجابة أو الممارسة، ويجب أن نتوقع أن تكون الاستجابة أولاً ظاهرية ثم عن اقتناع (أو تصديق باطني)، ثم في أعلى مستويات الاستجابة وهو مراقبة المتعلم لذاته وقد تتأخر هذه المرحلة قليلاً، إلا أنني أعتقد أن بعض الأطفال يصل إليها في بعض السلوكيات قبل سن الثامنة. فمثلاً الطفل في تعامله مع سلوك الكذب إن هو تعلم أن الكذب لا يجوز والصدق هو سلوك المؤمن الحق، فإنه في البداية قد يكذب ولكن لا يكذب أمام أبيه (الاستجابة ظاهرية)، ثم بعد ذلك يكون مقتنعاً أن الكذب لا يجوز ولكنه قد لا يستطيع مقاومة إغراء الكذب أحياناً (التصديق الباطني)، ثم بعد ذلك يستقر المعنى في نفسه ويصبح يراقبه من داخله (مرحلة المراقبة).

وأحب أن أضيف أنه من المهم جداً أن يعيش الطفل في بيئة أسرية آمنة مستقرة مريحة يشعر فيها بالحب، فهذا العامل مهم جداً لتسهيل امتصاص القيم من البيئة المحيطة.

 مستمعتي الكريمة سنتحدث لك عن دور الوالدين في كيفية الإجابة على الأسئلة العقائدية ففي بعض الأحيان يوجه الأطفال أسئلة عديدة و متنوعة وبخاصة عن الذات الإلهية المقدسة لدرجة قد يتعذر معها الإجابة فما هو الحل الأمثل لهذه المسألة؟

- إن الأمر يختلف فيما يرتبط بالذات الإلهية عن بقية الأمور؛ إذ إننا فطمنا على عدم معرفتها صغاراً أو كباراً، ولذلك لا نستوعب كنهها. فكلمة الله في اللغة العربية تعني المتحير فيه: إله, يأله أي تحير أي تاهت العقول عن كنه معرفته، ولايمكن أن نصل إليه إلا عن طريق أمرين: تنزيهه عن التشبيه، وإخراجه عن التعطيل أي إنه موجود دائما، وفيما يرتبط بأسئلة الطفل في هذا الاطار فعلينا أن نجيب بحيث لا ندخله في الذات الإلهية، ضمن إطار عقله، أي إجابته بشكل غير مباشر من هو الله مثلاً؟ فنجيب:
الله الذي خلقك وخلقنا، أو ماهو شكل الله؟ فنضرب له مثالاً كما ضرب الله مثلاً قال: (الله نور السماوات والأرض)، فالأمثلة هي التي تقرب المعنى، وفي نفس الوقت لا يراه تناقضاً مع الحقيقة التي يصل إليها في كبره.
فالأمثال هي من أجل تقريب المعنى الى الذهن فاذا سُئلنا عن لذة شيء معين فنقول مثلاً إنه كالبرتقال، ولكن هل هو كالبرتقال حقاً؟ لا فهو مجرد مثال لأجل تقريب المعنى في الذهن،  فعندما يسأل الطفل هل لله يد أو رجل مثلنا فنقول له لا يشبهه شيء إذ إن الأشياء متفاوتة فانظر إلى النور هل له يد أو رجل، سُئل الإمام الصادق(ع): (اينما تولوا فثم وجه الله) فكيف يكون ذلك؟ حيث كانوا أمام النار، وإذا بالإمام يقول: انظروا الى النار من أي طرف ترونها فهي الوجه.
وهنا تكمن مسؤولية الوالدين حيث أنه يجب الانتباه الى الجواب الذي يتم اعطائه الى الطفل ألا يكون متناقضاً مع الحقيقة في سبيل اسكاته فحسب فإنه سيتم اكتشافه لهذا الغلط فيما بعد، ويجب عدم التغافل عن أسئلة الطفل، وعدم التذمر من أسئلته الكثيرة لأن الله يجعل في نفس الإنسان شرارة  تنقدح منها حب المعرفة فإذا كانت الأجوبة وافية فسوف يتم إشباع هذا الحب وإلا فإنه سوف ينطفىء.

 





 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثمرة الإيمان - الحلقة الثانية عشرة - الدورة البرامجية الرابعة والثلاثون
 


Last modified: Wednesday, 29 August 2018, 9:56 AM