الأثر الطيب



مستمعاتي الكريمات إن الذكرى والأثر الذي يخلفه الإنسان بعد وفاته والسيرة الحسنة، التي يذكرها الناس به بعد رحيله، هي نعمة من نعم الله عز وجل، وكم من إنسان لما رحل عن دنيانا، لهجت الألسن بالدعاء له، وبكت العيون على فراقه، وتسابق الناس في تعداد مآثره، وعلى النقيض تماما، كم من إنسان مات ومات ذكره معه !
إذن مستمعاتي يجب على كل عاقل أن يسأل نفسه بصدق  :
- ماذا سأكتب على جدار الزمن؟
- ما الأثر الذي سأتركه بعد وفاتي؟
- ماذا سيبقى لي إذا طويت آخر صفحة من صفحات عمري؟
إن هذه الأسئلة الملحة ايتها المستمعات ينبغي أن تكون دافعاً ومحفزاً لنا إلى ترك بصمات لنا بعد مماتنا، إلى ترك أثر لنا يستمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
قال الرسول محمد "ص"  (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
فهذا الحديث مستمعاتي يبين لنا بشكل واضح ثلاثة أنواع من الأثار التي تستمر لك بعد وفاتك، وتكون أجوراً مستمرة تثقل حسناتك وأنت في قبرك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالصدقة الجارية قد تكون مثلا وقف مسجد يصلى فيه، أو عمارة تؤجر، ويتصدق بأجرتها، أو أرضٍ زراعية يتصدق بما يحصل منها، أو ما أشبه ذلك. فهذه صدقة جارية يجري عليه أجرها بعد وفاته، ما دامت تنتفع بها الناس، (أو علم ينتفع به)، إما كتب ألفها، وانتفع بها الناس، أو اشتراها، ووقفها وانتفع بها الناس من كتب الإسلامية النافعة، أو نشره بين الناس وانتفع به المسلمون وتعلموا منه، فهذا علم ينفعه، فإن العلم الذي مع تلاميذه، ونشره بين الناس ينفعه الله به أيضاً كما ينفعهم أيضاً، ( أو ولد صالح يدعو له ) فتنفعه دعوة ولده الصالح، كما تنفع دعوة المسلمين أيضاً، وإذا دعا له إخوانه، أو تصدقوا عنه نفعه ذلك
ومن الأمور التي تجعل لنا أثراً وذكرى طيبة بعد وفاتنا كذلك حسن الخلق، ولين المعشر، وطيب التعامل مع الناس، وقضاء حوائجهم، مبتغين بذلك وجه الله، فإن ذلك إضافة إلى كونه من الأعمال الصالحة الحسنة التي يعود أجرها لك فإنه أيضاً أثر طيب لنا يستمر بعد وفاتنا فيذكرنا الناس بالخير .
فالولد الصالح مستمعتي كمن غرس شجرةً فأكل منها الناس، فإنه يحصل له بنفس الأكل ثواب، سواءً دعا له من أكل أم لم يدع. فالوالد ينتفع بصلاح ولده مطلقاً، وكل عملٍ صالح يعمله الولد فلأبويه من الأجر مثل أجره، من غير أن ينقص من أجره شيء، لأن الولد من سعي أبيه وكسبه، والله عز وجل يقول: (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)
وهذا يوجب على الآباء أن يجتهدوا في تربية أبنائهم، وإصلاح أحوالهم، حتى ينتفعوا بصلاحهم، وإلا فمجرد وجود الولد بعد الوالد لا ينفعه في آخرته، فإن لم يكن الولد صالحاً لم ينفع أباه ولم يضره، لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، لكن إن صلح انتفع أبوه بصلاحه، وذلك فضل الله، والأول عدله، ومن ذلك تربية الأجيال وفق شرع الله .
فلا تحرم نفسك من الخير، ولا تبخل على نفسك من الحسنات المستمرة لتكون رصيدا لك يستمر بعد وفاتك، والأفكار المستمرة للآثار والذكرى الطيبة التي تتركها لك بعد الموت كثيرة ويسيرة ، فقط اتخذ قرارك وابدأ في زيادة رصيدك بعد الموت، فمن يدري ربما لا تجد أحد يعمل لك ما يثقل ميزانك بعد وفاتك!
فالبدار البدار والمسارعة إلى أن ندخر عند الله ما ينفعنا غداً(يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ اِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)

نسير إلى الآجال في كل لحظةٍ... وأعمارنا تطوى وهن مراحلُ 
ترحل من الدنيا بزاد من التقى... فعمرك أيـام وهن قلائـلُ
فالأيام تطحن الأعمار طحن القمح في الرحى.. ثم تذرى الأعمال أدراج الرياح؛ ولا يبقى إلا ما رضيه الله سبحانه، وأحبه من الأقوال والأفعال.
إنا لنفرح بالأيام نقطـعها... وكل يوم مضى يدني من الأجل 
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً ... فإنما الربح والخسران في العمل
فلنبادر الأيام بالعمل الصالح، ونملأ خزائنها بالفرائض والنوافل قبل أن تبادرنا هي بموتٍ أو عجز، وقبل أن تجدها فارغة خاوية تقول :
(يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِيوأخيراً مستمعاتي نقول: 


خـــذ لك زادين من ســــيرةٍ ...  ومن عمــــلٍ صالح يُدّخــــر 
وكن في الطريق عفيف الخُطا ... شريف السماع كريم النظر 
وكن رجـــلاً إن أتوا بعـــــده ... يقولـــون مـــرّ وهذا الأثـــر 









ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:  برنامج وهج الأمل - الحلقة السادسة- الدورة البرامجية 44.

Last modified: Friday, 12 October 2018, 3:10 PM