الحسد آثاره وعلاجه





يروى أن أيار وصل بتواضعه إلى ما لم يصل إليه باقي الناس من المرتبة الرفيعة بالدولة حتى صار مستشارا للملك رغم كونه عبدا اسودا ولا يريده المجتمع الطبقي آنذاك فقد كان الملك يستشيره بكل أموره وكان هناك من حاشيته الملك ووزرائه يحسدون أيار ويكرهونه لما له من مكانه عند الملك وكانوا يبحثون عن زلة منه حتى يوقعونه من عين الملك، رأوه يوماً يدخل إلى غرفة في زوايا القصر ويخرج منها شيئاً بيده ويعاود الدخول إلى تلك الغرفة كل يوم ففرح الحاسدون لما فعل أيار ظانين أن الغرفة مليئة بالمجوهرات وأن أياراً يسرق منها، فذهبوا إلى الملك وقالوا له أن أيار يفعل كذا وكذا حتى اقتنع الملك بما قالوا وفي أحد الأيام لحقوا بأيار وعند دخوله الغرفة دخلوا عليه، الملك وحاشيته الحاسدون فما وجدوا بالغرفة غير جلد كبش وعصى عوجاء وزوج نعل فتعجب الملك وسأل أيار ما هذا؟
فرد عليه أيار: هذا ما كنت أملك من قبل أن أتشرف بخدمتك، ثم من الله علي وصرت مستشاراً لك ووضعت ما أملك في هذه الغرفة حتى أمر عليها كل يوم وأتذكر الحال الذي كنت عليه من قبل حتى لا أتكبر على غيري، فأعجب الملك بما قال ورفعه مكاناً أعلى واستبدل الوزراء الحاسدين بغيرهم.


في حديث قدسي عن الله جل وعلا: (لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضلي ولا تمدن عينيك إلى ذلك ولا تتبعه نفسك فإن الحاسد ساخط لنعمتي صادٌ لقسمي الذي قسمت بين عبادي)(1).
 بعد أن استمعنا نحن وإياكم إلى القصة القصيرة نفهم منها أن الحسد هو تمني زوال نعم الله عن أخيك المسلم مما له فيه صلاح، فأن لم ترد زوالها عنه ولكن تريد لنفسك مثلها فهو (غبطة) فإن لم يكن له فيها صلاح وأردت زوالها عنه فهو (غيرة) فالحسد أشد الأمراض وأصعبها وأسوأ الرذائل وأخبثها ويؤدي بصاحبة عقوبة الدنيا والآخرة، لأنه في الدنيا لا يخلو لحظة عن الحزن والألم إذ هو يتألم بكل نعمة يراها لغيره ونعم الله تعالى غير متناهية لا تنقطع عن عباده فيدوم حزنه وتألمه، فوبال حسده يرجع إلى نفسه ولا يضر المحسود  بل يوجب زيادة حسناته ويكون في مقام التعاند والتضاد مع رب الأرباب وخالق العباد إذ هو الذي أفاض النعم والخيرات على البرايا والحاسد المسكين يريد زوالها.


ذم الحسد:

نتحدث الآن عن ذم الحسد وما ورد بخصوصه من آيات وروايات
لقد ذمت الشريعة الإسلامية السمحاء الحسد في كتاب الله تعالى وفي أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله) وأئمة أهل البيت(ع)، منها قوله تعالى: )يحسدون الناس على ماآتاهم الله من فضله)، وقوله تعالى: )ود كثير من أهل الكتاب أن يردوكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم).

وقد ذم رسول الله(ص وآله)  الحسد في كثير من الأحاديث الواردة عنه منها: (الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) وعنه أيضاً (كاد الفقر أن يكون كفراً، وكاد الحسد أن يغلب القدر)، وقال رسول الله(ص وآله) أيضاً: (أن لنعم الله أعداء فقيل ومن هم يا رسول الله قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله).
وفي حديث عن أبو عبدالله(ع): ( آفة الدين الحسد والعجب والفخر)، وقال أيضاً: (الحاسد مضرّ بنفسه قبل أن يضر بالمحسود كإبليس أورث بحسده لنفسه اللعنة ولآدم الاجتباء والهدى) ، وقال بعض الحكماء (الحسد جرح لا يبرأ).
في حديث قدسي الله جل وعلا قال: (أن الحاسد عدو لنعمتي متسخط لقضائي غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي).


آثــار الحســــــــــد 


عزيزاتي المستمعات إن للحسد أثار مدمرة على الفرد نفسه وعلى المجتمع نذكر منها:


1- يوقع الإنسان في قلق دائم واضطراب قاتل لا يتوقف إلا بزوال نعمة المحسود، ولا يجد الحاسد للراحة سبيلاً كما قال أمير المؤمنين(ع): (ما أقل راحة الحسود) ،(ولا عيش أنكد من عيش الحسود والحقود) فهو بذلك يكدر على نفسه وعلى حياته.


2- الحسد هو الآفة الكبرى للدين والإيمان وهذا أمر طبيعي حيث أن الحسود يبقى منشغلاً بما يراه في أيدي الناس فينسيه ذلك ذكر الله تعالى وبذلك يقلع شجرة الإيمان والدين من النفس كما قال الإمام علي(ع): (الحسد آفة الدين وثمرة الحسد شقاء الدنيا والأخرة).


3- أن الحسد يؤدي إلى حرمان المجتمع من كثير من الطاقات المهمة التي يمكن أن تخطوا خطوات في تقدم رقي الأمم، حيث أن الحساد كثيرا ما يفترون على الأشخاص المبدعين ويعطلون طاقاتهم ودورهم المناط بهم لا لشيء سوى الحسد.


4- إذا شاع التحاسد في أوساط الأمة ولاسيما بين الشريحة المثقفة فيها سوف تعدم العدالة وتختل الموازين وتنتشر الرذائل ويسود الظلم.


عـــــلاج الحســـد

  

أخواتي المؤمنات إن للحسد علاج  لنتعرف عليه: 


1- لما علم أن الحسد من الأمراض المهلكة للنفوس، فاعلم أن أمراض النفوس لا تداوى ألا بالعلم والعمل، والعلم النافع لمرض الحسد أن تعرف أنه يضرك في الدين والدنيا، ولا يضر المحسود في شيء وإنما يضرك أنت ويؤدي بك إلى سخط الله وعذاب الآخرة الأبدي.

 علمنا سابقاً من الآيات والأحاديث القدسية والنبوية في ذم الحسد وعقوبة صاحبة، وكون الحاسد ساخطا لقضاء الله تعالى وكارها لنعمته التي قسمها لعباده، ومنكرا لعدله الذي أجراه في ملكه، أضافتا إلى ذلك فأن الحاسد يكون مشاركا للشيطان في فرحه بوقوع البلايا والمصائب عليه وزوال النعم عنه وهذه خبائث في النفس تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

 
عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: ( أن المؤمن يغبط ولا يحسد والمنافق يحسد ولا يغبط).


2- وليعلم الحاسد انه لا يستطيع ضر المحسود لا في دينه ولا في دنياه لان النعمة التي هو فيها مقدرة عليه من الله سبحانه وتعالى، ولو كانت النعم تزول بالحسد لم تبق على كافة الخلق نعمة وذلك لكثرة الحساد، لذا يتوجب علينا أخواتي المؤمنات الابتعاد عن الحسد لأنه يذهب بحسناتنا ويحملنا أعباءً لا يحمد عقباها.


إن الحسد آفة تسود المجتمعات بشكل عام والمجتمعات النسوية بشكل خاص فترى إحداهن تحسد كل ما ترى عند الأخريات فهي غير مقتنعة بما تملك أبداً وفي قرارة نفسها أن الكل أحسن منها وأوفر منها حظاً فترى نفسها لا تملك شيئاً وإن كل ما لديها من نعم كالعافية مثلاً أو نعمة الأولاد التي يتحسر عليها بعضهم أو الزوج الصالح أو الى غير ذلك فلا تحمد الله على ما أنعم عليها بل تراها تنظر بنظرة الحسد والغيرة الى ما متع الله به قريباتها أو من تعرف من النساء.


لذلك أختي المؤمنة كوني قنوعة بما آتاك الله وما أنعم عليك به وانظري الى ما متع الله به غيرك نظرة غبطة، تمني لها المزيد وادعي الى الله أن يرزقك مثلما رزقها وانعم عليها، واعلمي أن القناعة كنز لا يفنى وإن كنت راضية ومقتنعة بما لديك وحامدة الله على ما أعطاك فأنه تعالى سوف يزيدك من فضله (قل لئن شكرتم لأزيدنكم).


ولو كنت عكس ذلك ودائمة التذمر وغير راضية بما لديك وتحسدين الأخريات على ما لديهن فاعلمي أن الله تعالى سوف يسخط عليك ويزيل النعم التي لم تشكريه عليها، فيارب لك الحمد على ما أعطيت.



 












ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: برنامج بأخلاقي أحيا- الحلقة الثانية- الدورة البرامجية47.

Last modified: Monday, 17 December 2018, 9:08 AM